أبو الفضل أحمد بن حسين بديع الزمان الهمذاني
31
مقامات بديع الزمان الهمذاني
عن أصل كوفيّ ، ومذهب صوفيّ « 1 » ، وسرنا فلمّا أحلّتنا الكوفة ملنا إلى داره ، ودخلناها وقد بقل وجه النّهار واخضرّ جانبه « 2 » . ولمّا اغتمض جفن اللّيل وطرّ شاربه « 3 » ، قرع علينا الباب ، فقلنا : من القارع المنتاب ؟ فقال : وفد اللّيل وبريده ، وفلّ الجوع وطريده « 4 » ، وحرّ قاده الضّرّ ، والزّمن المرّ ، وضيف وطؤه خفيف ، وضالّته رغيف ، وجار يستعدي على الجوع ، والجيب المرقوع ، وغريب أوقدت النّار على سفره ، ونبح العوّاء على أثره ، ونبذت خلفه الحصيّات ، وكنست بعده العرصات « 5 » ، فنضوه طليح « 6 » ، وعيشه تبريح ، ومن دون فرخيه مهامه فيح « 7 » . قال عيسى بن هشام : فقبضت من كيسي قبضة اللّيث ، وبعثتها إليه وقلت : زدنا سؤالا ، نزدك نوالا ، فقال ما عرض عرف العود ، على أحرّ من نار الجود ، ولا لقي وفد البرّ ، بأحسن من بريد الشّكر ،
--> ( 1 ) اي هو من الكوفة المدينة العراقية المشهورة ، وهو صوفي المذهب . والمتصوفة جماعة من المفكرين يقولون إن معرفة اللّه لا تتأتى عن طريق العقل بل عن طريق الحدس والرؤية . وتحصل هذه الرؤية للّه عندما تصفو نفس الإنسان بالرياضة وقهر الجسد وشهواته ، وبذكر اللّه والانصراف إلى العبادة والتأمل . ( 2 ) بقل وجه النهار : اخضر عند الغروب . ( 3 ) اغتمض جفن الليل وطر شاربه : جنّ الليل وظهر . ( 4 ) فل الجوع وطريده : المنهزم من الجوع . ( 5 ) يريد أنه ضيف خفيف المئونة لا يبغي أكثر من رغيف يخلصه من الجوع . وانه غريب تنبح عليه الكلاب ، ويرمى بالحصى ، وتكنس الدار تنظيفا لها من أثره . ( 6 ) نضوه طليح : بعيره تعب . ( 7 ) مهامه فيح : صحارى واسعة .